محمد بيومي مهران

55

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

بطاهرة ومن الطيور وكل ما يدب على الأرض ، دخل اثنان اثنان إلى نوح إلى الفلك ذكرا وأنثى ، كما أمر اللّه نوحا » « 1 » ، فهل أمر اللّه نوحا أن يأخذ « سبعة سبعة » أم « اثنين اثنين » ؟ أم أن نوحا - وحاشا نبي اللّه أن يكون كذلك - قد عصى أمر ربه ؟ أم أن هذا كان خطأ من الكاتب ؟ وإذا كان ذلك كذلك ، ففي أي النصين كان الخطأ ، أفي نص الأمر ، أم في نص التنفيذ ؟ علما بأن نص التنفيذ قد تكرر مرة ثانية في التكوين « ودخلت إلى نوح إلى الفلك اثنين اثنين من كل جسد فيه روح حياة » « 2 » ، كما أن الواضح من نص التكوين هذا أنه يضغط على أن ما أمر به الرب « اثنين اثنين » ، ولكنه في التكوين ( 7 : 2 ) يختلف عن ذلك كثيرا . ولعل السبب في هذا التناقض - فيما يرى جيمس فريزر « 3 » - أن الحكاية اليهوية عن الطوفان تميز بين الحيوانات الطاهرة والحيوانات النجسة ، فبينما أخذ نوح معه في الفلك سبعة من كل صنف من صنوف الحيوان الطاهر ، لم يأخذ معه سوى زوج من كل صنف من صنوف الحيوان النجس ، أما الكاتب الكهنوتي فلم يميز بين صنوف الحيوان على هذا النحو ، بل جعلها تدخل الفلك وهي على قدم المساواة مع بعضها البعض ، وإن قصر عددها بدون تحيز على زوج من كل صنف ، والسبب في هذا الاختلاف البين ، هو أن الكاتب الكهنوتي لم يفرق بين ما هو طاهر من الحيوان وما هو نجس ، على أساس أن هذه التفرقة قد أوحى بها الرب لموسى لأول مرة ، ومن ثم فإن نوحا لم يكن يعرفها ، أما الكاتب الكهنوتي فقد رأى أن التفرقة بين صنوف الحيوان على أساس الطهارة والنجاسة كانت معروفة لدى الجنس البشري منذ العصور الأولى . ومرة أخرى تناقض التوراة نفسها في سبب الطوفان ، ففي الرواية اليهوية يعزو « يهوه » القضاء على البشرية ، إذ تحدرت إلى شر وغواية « 4 » ، أما في الرواية الكهنوتية ، فإن اللّه ( إلوهيم ) - لاحظ مرة أخرى الاختلاف بين « يهوه » هناك ، وبين « إلوهيم »

--> ( 1 ) تكوين 7 : 8 - 9 . ( 2 ) تكوين 7 : 15 - 16 . ( 3 ) جيمس فريزر : المرجع السابق . ص 112 . ( 4 ) تكوين 6 : 5 - 7 . كذلك : حسين ذو الفقار صبري . توراة اليهود ، المجلة ، العدد 157 يناير 1970 ص 11 .